أخباراتصالات وتكنولوجيااقتصاد عربي

الذكاء الإصطناعى ضرورة ملحة لشركات إعادة التأمين لمعالجة البيانات الضخمة والحد من الخسائر  

القاهرة ــ 30 أكتوبر 2025 :

كتب ــ عاطف فهيم :

يُعدّ الذكاء الاصطناعي أحد أكثر الموضوعات محلّ نقاش في مختلف القطاعات الاقتصادية، نظرًا لما يحمله من إمكانات كبيرة لإعادة تشكيل نماذج الأعمال وتحسين الكفاءة التشغيلية. وعلى الرغم من وضوح هذه الإمكانات، فإن قطاع إعادة التأمين – الذي يتسم تاريخيًا بالتحفّظ وارتفاع مستوى تجنّب المخاطر – كان أقل سرعة في تبنّي التقنيات الحديثة، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ويؤثر الذكاء الاصطناعي في قطاع إعادة التأمين عبر عدة محاور رئيسية، من بينها تحسين عمليات تقييم المخاطر وتحليل المطالبات وتطوير نماذج التسعير وذلك بهدف رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز الربحية ،إلا أن الطبيعة شديدة التنظيم لصناعة إعادة التأمين، إلى جانب ثقافات الشركات التي تميل إلى تجنّب المخاطر، تزيد من تعقيد عملية تبنّي هذه التقنيات. كما أن العديد من المؤسسات لا تزال تفتقر إلى فهم واضح للفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن المخاطر المترتبة على إستخدامه ومتطلبات الأمن السيبراني اللازمة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التردد في تبنّي هذا التحول.

وعلى الرغم من هذه العوائق، فإن صعود التقنيات الرقمية يُحدث تطوراً واضحاً في النماذج التقليدية لإعادة التأمين، بما يحمله ذلك من فرص وتحديات في آنٍ واحد. ويتمثل التحدي الأساسي أمام الإستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في توافر الخبرة والقدرات المؤسسية اللازمة ، إذ تتطلب أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي كميات هائلة من البيانات عالية الجودة لكي تتمكن من التعلّم المستمر وتحسين أدائها.

وقد بدأ سوق اللويدز، المعروف منذ فترة طويلة بعملياته التقليدية التي تعتمد على الأشخاص والأوراق، مؤخرًا في تحويل رقمي تدريجي لعمليات التأمين/ إعادة التأمين، مما يسلط الضوء على تحول أوسع نطاقًا داخل الصناعة ، ويمكن للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تعزز الإنتاجية والدقة بشكل كبير من خلال قدرتها على تحليل كميات ضخمة من البيانات بكفاءة وسرعة.

الجدير بالذكر حقا أن إحدى الدراسات الإستقصائية التي أجرتها شركة ماكينزي مؤخرًا على قادة أكبر شركات التأمين وإعادة التأمين الأوروبية أظهرت أن أكثر من نصف المشاركين في الإستقصاء يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)  يمكن أن يسهم في تحسين الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 10% و20%، إلى جانب تحقيق زيادة تتراوح بين 1.5 و3 %  في نمو الأقساط والنتائج الفنية.

وفي مجال إدارة المطالبات، يشير تحليل حديث إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يؤدي إلى خفض مدفوعات المطالبات بنسبة تتراوح بين 3% و4%، وذلك من خلال تحسين دقة تقييم الأضرار وتعزيز قدرات الكشف عن الاحتيال. بالإضافة إلى ذلك ، يتمتع الذكاء الاصطناعي بالقدرة على خفض نفقات تسوية الخسائر بنسبة تصل إلى 20%–30%، بما يحقق وفورات كبيرة في التكاليف ويعزز الكفاءة التشغيلية. وعلى الرغم من أن هذه الإحصاءات تتعلق بصناعة التأمين المباشر بشكل أساسي، فإنه من المتوقع تحقيق فوائد تحويلية مماثلة في قطاع إعادة التأمين أيضًا.

وعن إنعكاس الذكاء الاصطناعي في مجالات إعادة التأمين .. يمكننا أن نشير إلى مايلى :

ــ تعمل قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل مجموعات البيانات الضخمة على تحسين دقة الاكتتاب، مما يمكّن شركات إعادة التأمين من تحديد المخاطر الناشئة وتحسين إستراتيجيات التسعير والتنبؤ بشكل أفضل بالأحداث الكارثية. وهذا أمر مهم بشكل خاص في عصر تتسم فيه المخاطر بالتقلب بسبب تغير المناخ.

ــ يستخدم الإكتتاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي بيانات منظمة وغير منظمة من مصادر متنوعة “نماذج الطقس وصور الأقمار الصناعية وبيانات أجهزة الإستشعار وآراء وسائل التواصل الاجتماعي” وغيرها لتقييم المخاطر بطرق لا تستطيع النماذج التقليدية القيام بها.

 ــ لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين تسعير العقود الفردية فحسب، بل إنه يعزز الربحية وكفاءة رأس المال على مستوى المحفظة بأكملها . ومن خلال التعلم المعزز والمحاكاة المتقدمة، يمكن لشركات إعادة التأمين تحسين محفظتها التجارية بالكامل من خلال تقييم مدى تأثير إضافة أو حذف اتفاقية معينة على كفاية رأس المال ونسب الملاءة المالية والعائد المتوقع . ويصبح تطبيق الذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية مع تشديد متطلبات رأس المال التنظيمي وتدقيق وكالات التصنيف في الأطراف المقابلة لإعادة التأمين.

ــ تقوم بعض شركات إعادة التأمين بتجربة نماذج تسعير سلوكية، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع المخاطر في الوقت الفعلي وإتجاهات الخسائر، مما يسمح بإعادة التسعير الديناميكي أو تعديل عقود إعادة التأمين. هذه النماذج واعدة بشكل خاص للمخاطر الإلكترونية والطيران والمخاطر البحرية ، وهي قطاعات تتميز بتغيرات سريعة في المخاطر.

ــ تتمكن نماذج التعلم الآلي من الكشف عن الحالات الغريبة والأنماط الإحتيالية في بيانات المطالبات، مما يوفّر لشركات إعادة التأمين حماية قوية ضد أساليب الإحتيال سواء الإلكترونية أو اليدوية المتطورة باستمرار.

ــ تعمل التكنولوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تسريع معالجة المطالبات من خلال تقييم الأضرار وكشف الإحتيال وتقليل أخطاء المعالجة،  وهذا يعزز رضا العملاء مع خفض التكاليف بشكل كبير.

إن السؤال الملح والذى يجب أن نطرحه فى هذا المضمار هو : كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل إكتتاب إعادة التأمين نحو الأفضل؟  وللإجابة على هذا السؤال الملح علينا أن نذكر بأنه من خلال تحرير مكتتبي التأمين من المهام المتكررة وتعزيز قدراتهم على إتخاذ القرارات، يولّد الذكاء الاصطناعي مزايا إستراتيجية وتنافسية لشركات إعادة التأمين.

وتتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال إعادة التأمين من الأمور الروتينية إلى الأمور المعقدة، فقد بدأ الذكاء الاصطناعي يُحقق فوائد جمة لشركات إعادة التأمين ، إذ يُعظّم المعلومات المتاحة لها ويُحسّنها ويُحللها مما يُتيح لها إتخاذ قرارات أفضل في اختيار المخاطر وتسعيرها. وذلك من خلال:

وفى حقيقة الأمر تواجه شركات إعادة التأمين مشكلة رئيسية ، إذ تُعدّ زيادة كمية المعلومات اللازمة لتقييم المخاطر واختيارها وتسعيرها بدقة مشكلةً كبيرة في مجال إعادة التأمين. فنجاح شركات إعادة التأمين بات يعتمد بشكل متزايد ليس فقط على جودة مكتتبيها، بل أيضاً على البيانات المتاحة لإتخاذ قرارات الإكتتاب. ومع ذلك لا يستطيع أي مكتتب بشري معالجة وتصفية هذا الكم الهائل من البيانات اللازمة للحفاظ على القدرة التنافسية بالاعتماد على قدراته العقلية فقط.

 نخلص إذن إلى أن دور الذكاء الإصطناعى لا يقتصرعلى قراءة  كميات هائلة من المعلومات التي قد تستغرق أيامًا أو أسابيع من فريق من خبراء التأمين البشريين، بل يتعداه إلى فهمها بطريقة تعجز عنها تقنيات المعلومات التقليدية. وتوجد بالفعل حلول قادرة على تلخيص المستندات أو البحث عن بنود متشابهة في العقود. ويستطيع الذكاء الاصطناعي فهم ليس المعلومات الموجودة في ملف PDF، والسياق الذي تُستخدم فيه الكلمات. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد إكتشاف العلاقات المكانية بين الكلمات والجداول وغيرها من أشكال البيانات في تحديد نوع المستند وإستخراج المعلومات الأكثر صلة.

وبإمكان شركات إعادة التأمين استخدام هذا النوع من الأدوات لقراءة العديد من طلبات الوسطاء واستخلاص المعلومات ذات الصلة من مصادر متنوعة. ويمكن بعد ذلك إدخال البيانات المستخلصة في الأنظمة لإنشاء الطلبات، وتقييمها، والمساعدة في إعداد عروض الأسعار. وباستخدام هذه البيانات، تستطيع شركة إعادة التأمين أيضاً تحديد أي مؤشرات سلبية محتملة تتعلق بالصياغة، والبنود، ومستوى تقبّل المخاطر، وترقية أو تخفيض المخاطر الموكلة إلى شركات التأمين بناءً على مدى ملاءمتها وجاذبيتها. ويشبه الأمر إلى حد ما وجود مساعد اكتتاب متفانٍ للغاية للمساعدة في تسريع عملية سير عمل الاكتتاب من خلال تحديد البيانات المراد إدخالها واستخدامها، والأهم من ذلك تحليلها.

 وفى الختام لايجب أن نغفل  تأثير الذكاء الإصطناعي علي العلاقة بين شركات التأمين وإعادة التأمين ، حيث يسهم الذكاء الإصطناعي في إعادة تشكيل العلاقة التقليدية بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين، بحيث تنتقل من كونها علاقة تقتصر في جوهرها على نقل المخاطر إلى شراكة إستراتيجية تقوم على تبادل البيانات والتحليلات والرؤى المعمّقة. وتشير تقارير صادرة عن اللويدز إلى أن معيدي التأمين الذين يستثمرون في التحليلات المتقدمة باتوا قادرين على تقديم قيمة مضافة تتجاوز مجرد توفير السعة التأمينية، لتشمل دعم شركات التأمين في تحسين نماذج الإكتتاب وتعزيز فهمها للتعرضات الكلية للمخاطر والمساهمة في تطوير منتجات تأمينية أكثر توافقًا مع احتياجات الأسواق المختلفة. كما تسهم مشاركة النماذج التحليلية والسيناريوهات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تسريع المفاوضات المتعلقة بشروط إعادة التأمين، والحد من الخلافات المرتبطة بتقييم المخاطر والخسائر، بما يعزز مستويات الشفافية والثقة المتبادلة بين الأطراف. ويجعل هذا التحول من الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية محورية في قطاع إعادة التأمين، ليس فقط كوسيلة داخلية لتحسين الكفاءة التشغيلية، بل كعنصر أساسي في بناء علاقات طويلة الأجل قائمة على الشراكة وتبادل المعرفة.

وبالرغم من مميزات الذكاء الإصطناعى ومايمكن أن يقدمه كقيمة مضافة لكلا من شركات التأمين وإعادة التأمين ، لكن تبقى العديد من التحديات التى تواجه تطبيق الذكاء الإصطناعى وخاصة فى مجالات إعادة التأمين ومنها على سبيل المثال : ” جودة البيانات ، وتعقيد التكامل ، والتدريب وتوفير الكفاءات البشرية ، وأمن البيانات وسريتها ” . 

إن  ثورة الذكاء الاصطناعي مستمرة، والفجوة التنافسية بين من يتبنونها ومن لا يتبنونها ستتسع بسرعة. لذا، يجب على شركات إعادة التأمين التفكير جدياً في تبني هذه التقنية الآن لمواكبة التطورات والحفاظ على قدرتها التنافسية. فالروبوتات ليست قادمة، بل هي موجودة بالفعل.