أخباراقتصاد عربي

دراسة: التسويق الضريبي”.. ثورة معرفية تنهي عصر “الجباية” وبناء “دولة المواطنة”

كتب فتحي السايح

صدرت حديثا دراسة للدكتور محمد علي معوض خبير التطوير المؤسسي، تقلب الموازين التقليدية في إدارة العلاقة بين الدولة والمواطن. هذه الدراسة التي حملت عنوانها الكامل: “أثر تسويق تشريعات وقوانين الضرائب في تحقيق الالتزام الطوعي لدافعي الضرائب: تحليل الدور الوسيط للمواطنة الضريبية – دراسة تطبيقية على دافعي الضرائب في مصر”، لم تكتفِ بكونها بحثاً أكاديمياً متخصصاً، بل قدمت “روشتة” واقعية ومعمقة لمشكلة أزلية تواجه الاقتصاد المصري، وهي ضعف الحصيلة الضريبية التي لا تتجاوز 14% من الناتج المحلي، مقارنة بمعدلات عالمية في الدول المتقدمة تصل إلى 46%.

الفجوة البحثية: لماذا يعد هذا الموضوع جديداً كلياً؟

لقد اعتاد العالم الاقتصادي والخبراء على مفهوم “تسويق الخدمات الضريبية” (مثل تسهيل الإجراءات أو الإقرارات الإلكترونية)، لكن الجديد والمبتكر كلياً الذي قدمه الدكتور محمد معوض في هذه الدراسة هو تطبيق فنون “المزيج التسويقي” على ذات مادة القانون والتشريع قبل صدورها. واثناء تنفيذها او اجراء تعديل عليها
الفكرة الجوهرية التي تطرحها الدراسة هي أن القانون ليس مجرد “أمر سيادي” يُفرض بالقوة والسلطة، بل هو في حقيقته “منتج” يجب دراسة احتياجات ورغبات “العميل” (وهو الممول هنا) قبل صياغته. هذا المدخل يضمن تقبل المجتمع للقانون والالتزام به طواعية، بدلاً من البحث عن ثغرات للتهرب منه، مما يضع حداً لثقافة الصراع بين الممول ومصلحة الضرائب.

جوهر الدراسة: المواطنة بدلاً من الخوف
تكشف دراسة الدكتور معوض عن حلقة مفقودة في المنظومة الاقتصادية تسمى “المواطنة الضريبية”. فبينما يعتمد النظام التقليدي الحالي على “الردع” والعقوبات وسياط القانون، تُثبت الدراسة أن استخدام أدوات التسويق الحديثة (المنتج، السعر، الترويج، المكان، والمشاركة) يبني جسوراً متينة من الثقة.

توضح الدراسة أن “المواطنة الضريبية” هي الشعور بالانتماء الذي يُحوّل دفع الضريبة من “عبء إجباري” أو “جباية” منفرة إلى “واجب وطني” وشراكة حقيقية. في هذا الإطار، يشعر المواطن بالرضا والامتنان وهو يرى أثر مساهمته المالية ينعكس في بناء مستشفيات حديثة، ومدارس متميزة، وطرق آمنة تخدمه وتخدم أسرته، مما يعزز العقد الاجتماعي بين الفرد والدولة.
*
التسهيلات الضريبية والواقع الميداني*

ومن واقع هذه الرؤية، تؤكد الدراسة أن حزم التسهيلات الضريبية التي تعلن عنها الدولة حالياً لن يكون لها التأثير المرجو أو الاستدامة المطلوبة دون تبني استراتيجية حقيقية لـ “تسويق الضرائب”. واوضحت ان التسهيلات تظل إجراءات تقنية جافة ما لم تُسوق كجزء من عقد اجتماعي يبني الثقة ويحفز الالتزام الطوعي. لقد أجرى الدكتور محمد معوض مسحاً ميدانياً دقيقاً شمل مئات الممولين في 6 محافظات مصرية، وتوصلت النتائج إلى حقائق في غاية الأهمية تتطلب وقفة من صناع القرار:

* عامل المشاركة:

تبين أنه المحرك الأقوى على الإطلاق لتحقيق الالتزام؛ فعندما يشعر الممول أن صوته مسموع وأن رأيه أُخذ في الاعتبار عند صياغة القوانين (أو حزم التسهيلات)، تزداد لديه الرغبة الفطرية في دفع مستحقات الدولة دون ضغوط.
* رفض “المنتج” و”المكان” التقليديين: كشفت النتائج أن مجرد “وضوح نصوص القانون” أو “سهولة الوصول لمأمورية الضرائب” لا يكفي وحده لتحفيز الناس على الدفع، ما لم يقترن ذلك بشعور حقيقي بالعدالة، وثقة تامة في كيفية إدارة وصرف هذه الأموال في مساراتها الصحيحة.

طالبت دراسة الدكتور محمد معوض الحكومة المصرية بخطوة استراتيجية غير مسبوقة، وهي إنشاء “وزارة أو وحدة متخصصة للتسويق الحكومي”، مهمة هذه الوحدة تتجاوز الدعاية التقليدية، لتشمل تحسين الصورة الذهنية للدولة في عقول المواطنين، وتسويق القوانين والقرارات المصيرية قبل صدورها لإحداث “تغيير سلوكي” مجتمعي.

وأكدت الدراسة
أن الطريق لرفع حصيلة الدولة من الضرائب لا يبدأ بتغليظ العقوبات أو زيادة الملاحقات، بل يبدأ بـ “تسويق” فكرة الوطن أولاً، وبناء جسور الثقة التي تجعل المواطن يبادر بالالتزام الضريبي الطوعى حباً انتماءً للوطن.