أخباراقتصاد عربيبورصة

الاقتصاد العالمي على المحك مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

ايه حسين

أصدرت وكالة «S&P Global Ratings» تقريرًا تحليليًا موسعًا حذّرت فيه من تصاعد الضغوط على قنوات الائتمان العالمية نتيجة احتدام الصراع في الشرق الأوسط، مؤكدة أن الضربات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تمثل نقطة تحول في مستوى المخاطر الجيوسياسية، مع احتمالات بامتداد تأثيراتها إلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والظروف الائتمانية عالميًا، في وقت أشارت فيه إلى ارتفاع غير مسبوق في درجة عدم اليقين بشأن مدة الصراع ونطاقه وتداعياته الاقتصادية، وهو ما يفرض إعادة تقييم مستمرة للتوقعات الائتمانية مع تطور الأحداث.

وأوضحت الوكالة أن الأسواق المالية أظهرت في البداية قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والعودة السريعة إلى الاستقرار. إلا أن طبيعة الصراع الحالي تبدو مختلفة وأكثر تعقيدًا، ما يجعل التأثيرات الائتمانية شبه حتمية. مع بقاء السؤال الرئيسي حول ما إذا كانت هذه التداعيات ستظل محصورة إقليميًا أم ستتوسع لتشمل الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الجيوسياسية الحالية.

وبحسب السيناريو الأساسي الذي تتبناه «S&P Global Ratings»، فمن المرجح أن تستمر المرحلة الأكثر حدة من المواجهة العسكرية لفترة تتراوح بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع. مع احتمالية امتداد التداعيات الأمنية والهجمات المتقطعة لفترة أطول، لا سيما في ظل مؤشرات على أن نطاق العمليات العسكرية قد يكون أوسع من المواجهات السابقة، وهو ما يعزز احتمالات استمرار التصعيد، خاصة مع اعتبار الصراع تهديدًا وجوديًا لإيران، ما يدفعها إلى الرد بشكل متسارع قد يشمل استهداف بنى تحتية حيوية في المنطقة مثل مرافق الطاقة والموانئ والمطارات.

وفي هذا السياق، حذّرت الوكالة من تداعيات مباشرة على حركة التجارة العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز. الذي يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، مشيرة إلى أن أي اضطرابات مستمرة أو إغلاق فعلي للمضيق. حتى وإن كان مؤقتًا، قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف النقل والتأمين، بما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي العالمي.

وأكد التقرير أن قنوات انتقال المخاطر الائتمانية بدأت بالفعل في التكوّن، حيث يؤدي ارتفاع أسعار السلع الأساسية واستمرار اضطرابات سلاسل التوريد إلى ضغوط متفاوتة على قطاعات متعددة. من بينها النقل والخدمات اللوجستية والصناعات والبتروكيماويات والزراعة. مع ارتفاع تكاليف المدخلات وتراجع هوامش الربحية، ما قد ينعكس على الجدارة الائتمانية للشركات.

كما توقعت الوكالة أن يؤدي تصاعد حالة عدم اليقين إلى زيادة نفور المستثمرين من المخاطر، وهو ما قد يرفع تكلفة الاقتراض عالميًا ويُصعّب على الشركات. خاصة ذات التصنيفات الائتمانية المنخفضة وفي الأسواق الناشئة، تأمين التمويل أو إعادة تمويل ديونها بشروط مناسبة. بالتوازي مع احتمالات تراجع الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُعد أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في العديد من الدول. وهو ما قد يدعم بدوره الضغوط التضخمية ويؤثر على أسعار الصرف واتجاهات أسعار الفائدة.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أشارت «S&P Global Ratings» إلى أنه في حال احتواء المواجهة العسكرية خلال فترة قصيرة نسبيًا. مع استئناف المرور الآمن عبر مضيق هرمز وعدم تعرض البنية التحتية الحيوية لأضرار دائمة، فإن التأثيرات الائتمانية قد تظل محدودة ومؤقتة. مع تراجع أسعار النفط واستعادة الثقة في الأسواق، إلا أن بعض القطاعات، خاصة في الشرق الأوسط، ستظل عرضة لضغوط ممتدة.

وعلى المستوى القطاعي، لفت التقرير إلى أن القطاعات الأقرب جغرافيًا للصراع ستكون الأكثر تأثرًا، وعلى رأسها المطارات والموانئ والسياحة والفنادق والعقارات. حيث تواجه هذه الأنشطة ضغوطًا ائتمانية مباشرة نتيجة تراجع الطلب وارتفاع المخاطر التشغيلية.

وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، أكدت الوكالة أن مخاطر هروب رؤوس الأموال قد ارتفعت بشكل ملحوظ، ما يزيد من الضغوط على الأنظمة المصرفية في المنطقة. خاصة في الدول التي تعتمد بشكل أكبر على التمويل الخارجي، مثل البحرين وقطر، في حين تتمتع أنظمة مصرفية أخرى في دول الخليج بمراكز صافي أصول خارجية تمنحها قدرة أكبر على امتصاص صدمات خروج رؤوس الأموال.

وعلى الصعيد الاقتصادي الكلي، شددت «S&P Global Ratings» على أن المخاطر تميل بشكل واضح إلى الجانب السلبي، مع توقعات بارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي. خاصة في الولايات المتحدة، حيث قد تؤدي صدمة محتملة في قطاع الطاقة إلى دفع معدلات التضخم نحو 4% خلال عام 2026. مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى استقرارها قرب 3%، وهو ما يضع «Federal Reserve» أمام تحديات معقدة في موازنة قرارات السياسة النقدية بين احتواء التضخم ودعم النمو.

وفي المجمل، خلص التقرير إلى أن الصراع في الشرق الأوسط يمثل اختبارًا حقيقيًا لمرونة النظام المالي العالمي، مع احتمالات تصاعد الضغوط الائتمانية عبر قنوات متعددة. ما يستدعي مراقبة دقيقة لتطورات الصراع ومدى تأثيره على البنية التحتية الحيوية، وأسواق الطاقة، وتدفقات رأس المال العالمية خلال الفترة المقبلة.