خبير اقتصادي يوضح كيف تغير سعر لتر البنزين في نصف قرن

★’من 10 قروش إلى أكثر من 20 جنيه… رحلة كاملة لتطور أسعار الوقود في مصر (1980 – مارس 2026)
كنب فتحي السايح وسارة احسان
كشف الدكتور عصام درويش عضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة. ورئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية ان سياسة تسعير المنتجات البترولية في مصر شهدت تحولاً تاريخياً جذرياً على مدار ستة وأربعين عاماً، انتقلت فيها من نظام الدعم الثابت الذي استمر لعقود طويلة، إلى آلية التسعير التلقائي المرتبط بالأسعار العالمية وتقلبات سوق الصرف. هذه الرحلة الطويلة تعكس ليس فقط تغيرات في الأرقام، بل تحولاً عميقاً في الفلسفة الاقتصادية للدولة المصرية.
ففي المرحلة الأولى التي امتدت من عام 1980 حتى 2011، عاشت مصر عهداً من الاستقرار السعري غير المسبوق، حيث ظل بنزين 80 ثابتاً عند 25 قرشاً لسنوات طويلة، بينما بلغ سعر السولار 10 قروش فقط. ومع نهاية عقد مبارك في 2010، كان سعر بنزين 92 لم يتجاوز 1.85 جنيه، في ظل سياسة دعم شامل كانت تعتبر استقرار الأسعار أولوية سياسية واجتماعية فوق كل اعتبار.
وقال دىويش بدأت المرحلة الثانية مع عام 2014، حيث شهدت مصر بداية حقيقية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي. ففي يوليو 2014، تم تطبيق أول زيادة كبيرة في أسعار الوقود، تلتها صدمة تعويم الجنيه المصري في 2016 التي أحدثت تحولاً نوعياً في هيكل الأسعار. ومع نهاية 2019، كان بنزين 80 قد وصل إلى 6.75 جنيه، في مؤشر واضح على بداية الخروج التدريجي من سياسة الدعم المطلق.
واوضح دخلت مصر المرحلة الثالثة مع بداية العقد الحالي، حيث تزامنت مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتقلبات حادة في سعر الصرف العالمي. وجاء قرار مارس 2026 ليشهد أسعاراً قياسية جديدة، حيث ارتفع بنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه بنسبة زيادة 17%، بينما زاد بنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 من 21.00 إلى 24.00 جنيه، فيما شهد السولار ارتفاعاً مماثلاً من 17.50 إلى 20.50 جنيه.
وكشف الدكتور دىويش المقارنة الزمنية عن واقع مثير للدهشة: ففي حين استغرق الأمر ثلاثين عاماً كاملة (من 1980 إلى 2010) ليرتفع السعر من 10 قروش إلى أقل من جنيهين، جاء الاثنا عشر عاماً التالية (من 2014 إلى 2026) لتشهد تضاعف الأسعار أكثر من اثني عشر ضعفاً.
وقال درويش هذا التحول الجذري يعكس تغيراً في العوامل المحددة للأسعار؛ فبينما كانت الاعتبارات السياسية والاجتماعية هي المهيمنة في الفترة من 1980 إلى 2012، أصبحت العوامل الاقتصادية البحتة هي المحرك الرئيسي حالياً، وفي مقدمتها سعر الدولار في السوق المصري، وسعر برميل برنت عالمياً، وتكلفة الاستيراد والتكرير، والسعي الحثيث لتقليل عجز الموازنة العامة.
فيما عكست تأثير هذه الزيادات على المواطن والاقتصاد؟ من الناحية المباشرة، يواجه المواطنون ارتفاعاً في تكلفة المواصلات العامة والخاصة، وزيادة في أسعار السلع المنقولة، مما يضع ضغطاً إضافياً على أصحاب الدخل المحدود. في المقابل، تحقق هذه السياسة فوائد اقتصادية كلانية مهمة، منها تقليل فاتورة دعم الطاقة التي كانت تستنزف الموازنة، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، والحد من الاستهلاك غير الرشيد للوقود.
واكد الدكتور عصام درويش إن التحرير السعري ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق كفاءة الاقتصاد. والنجاح الحقيقي لهذا التحول لا يقاس فقط بالأرقام، بل بقدرة الدولة على تحويل مدخرات الدعم إلى استثمارات منتجة في الصحة والتعليم والنقل العام، مع بناء شبكات حماية اجتماعية فعالة تحمي الفئات الأولى بالرعاية من صدمات الأسعار.
واختتم درويش بان تبقى التوصيات العملية لهذا المرحلة تتمثل في تعزيز برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة” والمعاشات، وتحسين وسائل النقل العام لتخفيف الأعباء عن المواطنين، وضمان الشفافية الكاملة في آلية التسعير التلقائي، وتشجيع التحول نحو البدائل الأنظف مثل الغاز الطبيعي والسيارات الكهربائية. إن المستقبل يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.


