اقتصاد عربي

د. عصام درويش : مطلوب وزارة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للتغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية

د. درويش : المطلب استنادًا إلى روح الدستور والتزام الدولة بالعدالة الاجتماعية ، لا كجهاز بيروقراطي فحسب، بل كـشبك أمان اجتماعي

 

كتب فتحي السايح وسارة احسان 

طالب الدكتور عصام درويش
الخبير الاقتصادي وعضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة ورئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية فى
وذلك فى ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، واستنادًا إلى روح الدستور والتزام الدولة بالعدالة الاجتماعية إلى إنشاء وزارة مستقلة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، لا كجهاز بيروقراطي فحسب، بل كـشبكة أمان اجتماعي حديثة، على غرار الغرض الأصلي من إنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية عام 1991، الذي وُلد لامتصاص الآثار الجانبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي

واضاف د. عصام درويش تصريحات صحفية . فاليوم، ومع تزايد الضغوط التضخمية وارتفاع معدلات البطالة، بات من الضروري أن تتحول هذه الوزارة إلى حاضنة وطنية تحمي الفئات الهشة، وتدعم رواد الأعمال من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وتحوّل الاقتصاد غير الرسمي إلى قوة منتجة داخل المنظومة الرسمية.
لا يُمكن فصل تفعيل الدستور المصري عن إرادة سياسية حقيقية لترجمة نصوصه إلى واقع ملموس. ومن أبرز هذه النصوص ما ورد في المادة (28) من الدستور، التي ألزمت الدولة بالاهتمام الخاص بالمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في جميع المجالات”، و”تنظيم القطاع غير الرسمي وتأهيله”. هذا الالتزام الدستوري لا يُكتفى فيه بإصدار قوانين شكلية، بل يتطلب هيكلًا تنظيميًّا قادرًا على التنفيذ الفعّال.
تاريخياً
واضاف الخبير الاقتصادي عصام درويش بدأ الإطار التشريعي للمشروعات الصغيرة في مصر بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي (1991/1996) بإنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية، ثم صدور قانون تنمية المنشآت الصغيرة رقم 141 لسنة 2004. لكن هذا القانون لم يُعالج ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي، ولا يمنح الصندوق سلطة رقابية أو ترخيصية، بل يقتصر دوره على التخطيط والتنسيق والترويج.
واوضح رئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية اليوم، يُدار هذا القطاع عبر جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، الذي أُعيد تشكيله بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء لعام 2017. إلا أن الوضع القانوني لهذا الجهاز يظل مشوّشًا. فقد أكد حكم قضائي صادر من مجلس الدولة (دعوى رقم 64385 لسنة 77 ق، بتاريخ 25 ديسمبر 2023) أن الجهاز “مرفق عام يتبع الحكومة ويتمتع بالشخصية الاعتبارية”، وأن العاملين به يحملون صفة “الموظف العام”، وليسوا خاضعين لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003. ومع ذلك، لا يزال الجهاز يُوقّع عقود عمل سنوية تخضع لقانون العمل، مما يخلق تناقضًا قانونيًّا خطيرًا ويُضعف قدرته على الأداء المؤسسي. هذا التناقض يعكس غياب الرؤية التنظيمية الشاملة، ويؤكد أن الجهاز رغم أهميته كيان غير مؤهل هيكليًّا وقانونيًّا لتحمل أعباء إدارة قطاع يُشكّل عماد الاقتصاد الوطني.
واكد الدكتور عصام درويش من هذا المنطلق، فإن صدور القانون رقم 152 لسنة 2020 بشأن تنظيم عمل منشآت الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر يُعد خطوة تشريعية مهمة، لكنها تظل ناقصة دون وجود كيان وزاري قادر على الإشراف الشامل على تنفيذها. فرغم أن هذا القانون قدّم تعريفًا قانونيًّا أوضح للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة، وحدّد آليات التسجيل والتراخيص والحوافز الضريبية والتمويلية، إلا أنه لم يُعالج جوهر المشكلة التنظيمية: غياب الجهة الحكومية الوحيدة المخوّلة بقيادة السياسة الوطنية لهذا القطاع. فالقانون رقم 152 لسنة 2020، شأنه شأن القوانين السابقة، يفتقر إلى آلية مؤسسية مركزية تضمن توحيد الرؤية بين الجهات المعنية من وزارة التجارة والصناعة إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مرورًا بالبنوك ومؤسسات التمويل غير المصرفي. وبالتالي، يبقى هذا التشريع عرضة للتشتت في التطبيق، ما لم يُسنَد تنفيذه إلى وزارة متخصصة تمتلك الصلاحيات التنظيمية، والرقابية، والتنفيذية اللازمة، وتكون مسؤولة مباشرة أمام مجلس الوزراء عن تحقيق أهداف الدستور في دعم هذا القطاع الحيوي.
واشار الى ان دراسات رئيس مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية في عام 2018 إلى أن فشل إنشاء وزارة متخصصة للمشروعات الصغيرة في مصر، رغم التوصيات الوطنية والدولية، يُعد أحد أبرز أسباب التشتت المؤسسي. فالجهات المعنية متعددة ومتباعدة، ولا توجد رؤية مركزية تجمع بين التمويل، التدريب، الترخيص، والرقابة. ومن ثم، فإن إنشاء الوزارة ليس خيارًا، بل ضرورة لتوحيد السياسات، وتفادي التكرار، وتحقيق التكامل بين الأطر القانونية والتنفيذية، بما يُحقق هدف الدستور: دولة منتجة، عادلة، ومستدامة.
وأوضح إن إنشاء وزارة مستقلة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ليس ترفًا إداريًّا، بل استجابة مباشرة لنصوص دستورية ملزمة. فالمادة (167) تُلزم الحكومة بالإشراف على تنفيذ السياسة العامة للدولة”، والمادة (224) تُشير إلى أن كل التشريعات السابقة على الدستور تبقى سارية “ولا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور”.
وبالتالي، فإن التأخير في إنشاء وزارة متخصصة يُعد تقصيرًا في الوفاء بالتزام دستوري، ويُعمّق فجوة بين النص والتطبيق. ولتحقيق العدالة الاقتصادية والتنمية الشاملة، لا بد أن تُترجم المادة (28) من الدستور إلى هيكل حكومي فاعل، يُمكّن المشروعات الصغيرة من أن تكون محركًا حقيقيًّا للنمو والتشغيل.