د. محمد حافظ ابراهيم
باتت البشرية بالفعل على شفا الهاوية من جراء التغيرات المناخية المثيرة للقلق. فليس في حاجة إلى أدلة أو براهين عقلية، فالعين تغنيك عن أن تطلب الأثر ويكفي المرء نظره من الغرب الأميركي، إلى وسط القارة الأوروبية، وصولاً إلى الصين ليدرك كم الأهوال الطبيعية التي تحدق بالبشرية. ولعل المثير إلى حد الخوف هو تناقضاتها الكثيره فمن الجفاف الذي يؤدي إلى الحرائق، وصولاً إلى الفيضانات غير المسبوقة، وقبلها الأمطار المغرقة، تبدو البشرية حائرة، وتنطلق صافرات الإنذار محذرة من الهول القائم والقادم، إن لم يسارع الجميع بالعمل سوياً لاستنقاذ الكوكب الأزرق.
حاليا بلغت الطبيعة حدا من الغضب يجعلها تقسو على الإنسان بهذا الشكل. وإن كان كذلك فالحل فى ترضيتها. والمشهد المناخي على الأقل يحمل لمحات من الأزمة الإيكولوجية العالمية، والعلاقة المتبادلة بين الإنسانية والهاوية المناخية القريبة جداً.
وصدر تحذير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عام 2020 من ناحية ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وقد زاد المشهد سوءاً، تفشي فيروس “كوفيد-19” المستجد. وأشارت إلى أن الكرة الأرضية قد ارتفعت درجة حرارتها بمقدار 1.2 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية .و شعر الجميع بخوف شديد من هذا الرقم دعا العلماء إلى عدم تخطيه من أجل درء أسوأ آثار تغير للمناخ. بحسب التحذير يوضح كيف أن تركيزات غازات الدفيئة الرئيسية استمرت في الزيادة خلال عامي 2019 و2020، فيما تجاوز المتوسط العالمي لتركيزات ثاني أكسيد الكربون بالفعل 410 أجزاء في المليون، في ظل إنذار آخر وهو أنه إذا استمر النمط نفسه في السنوات المقبلة، فقد تصل أو تتجاوز تركيزات ثاني أكسيد الكربون 414 جزءاً في المليون 2021.
في مايو 2021 ارتفع صوت المدن الكبرى ، محذراً من المشهد المناخي الأممي الحالي، ومشيراً إلى أنه يتعين على جميع الدول الالتزام بخفض الانبعاثات الكربونية إلى درجة صفر بحلول عام 2050 إذا أراد العالم أن يتجنب ارتفاع كارثي في درجة الحرارة بمقدار 2.4 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. وبحسب الأمين العام، فإنه بحلول عام 2030 يجب أن تقل الانبعاثات العالمية بنسبة 45 في المائة مقارنة بمستويات عام 2010 للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، هذه هي الطريقة التي نحافظ بها على هدف 1.5 درجة.
الأمين العام للأمم المتحدة طالب باجراءات في مقدمها وقف إنتاج الفحم، والإلغاء التدريجي لدعم الوقود الأحفوري، ناهيك عن تقديم حزمة موثوقة من المساندات للبلدان النامية، لمكافحة التغير المناخي، والتحول إلى الطاقة النظيفة والمتجددة. غير أن وعد الـ 100 مليار دولار والتي كان من المتوجب أن تضخ الآن في صناديق وموازنات الدول الفقيرة، لم ينفذ منه شيء، ورأى العالم في بريطانيا أن وعود الكبار قد تبخرت، حتى الولايات المتحدة الأميركية، تهربت من الإيفاء بوعودها.
وهناك مدن للكربون والاحترار العالمي المتصاعد.فهناك 25 مدينة من كبريات المدن العالمية، هي المسؤولة عن 52 في المائة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في المناطق الحضرية. والدراسة تقودنا إلى مقاربات مثيرة للانتباه وهي أن المدن في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة سجلت نسبة انبعاثات للفرد أعلى بكثير من نظيرتها في مدن المناطق النامية، وأن قطاعي الطاقة والنقل يعدان أكبر مصدرين رئيسيين لانبعاثات غازات الدفيئة. والدراسة تقودنا إلى ان السبب فى استخدام الفحم فى الصناعات المختلفة، حيث ان الفحم و الكربون، ليس حكراً على الصين فقط، وإن كانت في واقع الحال تعد أكثر دول العالم استخداماً له، فالأمر ينسحب كذلك على الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا و الهند .
وبالنسبة للصين والهند وغيرهما من مدن الفحم، فيمكن القول إن جميعها تضع علامات استفهام في طريق التزامها بتخفيض استخدام الكربون، الأمر الذي يؤثر في مستويات الحياة لديها. والدول الأوروبية والولايات المتحدة والكثير منها تعمد إلى نقل الكثير من خطوط إنتاجها الى الصين وذلك بهدف الاستفادة من التكاليف المنخفضة، وأسعار اليد العاملة الأقل كثيراً عن نظيرتها في الدول الرأسمالية، مما يعني مباشرة زيادة مستويات الانبعاثات المرتبطة بالنسبة للصين.
ومن المخيف أن المدن الكبرى وحتى التي لا تشمل أنشطتها انبعاثات أحفورية، تسهم بصورة ما في زيادة معدلات الاحتباس الحراري، فاستخدامات الكهرباء في المباني السكنية والمنشآت التجارية والصناعية، تسهم بما يتراوح بين 60 و80 في المائة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في مدن أميركا الشمالية وأوروبا.
وهناك كارثه الأقطاب الجليدية وارتفاع منسوب المحيطات.و يتمثل في العلاقة المتبادلة بين ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية من ناحية، وما يجري في الأقطاب الجليدية الجنوبية والشمالية من جهة ثانية. واوضح التقرير الصادر عام 2020 عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، انه منذ منتصف الثمانينيات ارتفعت درجات حرارة سطح الهواء في القطب الشمالي بمعدل ضعف السرعة على الأقل مقارنة بالمتوسط العالمي، مع تداعيات كبيرة محتملة، ليس فقط على النظم البيئية في القطب الشمالي، ولكن أيضاً على المناخ العالمي، مثل ذوبان الجليد الدائم، وإطلاق غاز الميثان، وهو أحد غازات الدفيئة القوية في الغلاف الجوي. ولوحظ انخفاض مستوى الجليد البحري في القطب الشمالي بشكل قياسي.
هذا يعنى انه سوف ترتفع نسبة المياه في البحار والمحيطات حول الكرة الأرضية، الأمر الذي سيتسبب في اتساع ظاهرة النحر، بمعنى أن المياه تزحف على اليابسة، ويتوقع العلماء في هذا الشأن اختفاء الكثير من المدن الساحلية في قارات الأرض الست. ومع زيادة ارتفاع معدلات البحار والمحيطات، سوف تزداد من غير أدنى شك نسبة بخار الماء المتصاعد إلى طبقات الجو العليا، مما ينعكس لاحقاً على الأرض مرة جديدة في صورة أمطار، لا تلبث أن تتحول إلى فيضانات وسيول جارفة كما رآها العالم أخيراً في ألمانيا وبلجيكا، وفي الصين التي انهارت سدودها.
وإن ارتفاع درجات حرارة المحيطات قد ساعد في هبوب عدد قياسي من الأعاصير الموسمية في المحيط الأطلسي، وزيادة شدة الأعاصير المدارية في المحيط الهندي والمحيط الهادئ الجنوبي. ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن الاقتصاد الأزرق، أي ذاك المتعلق بالمياه والصيد وبقية الأنشطة المشابهة، والذي تقدر قيمته بمبلغ يصل إلى 6 تريليونات دولار كل عام، ويمثل أكثر من ثلاثة أرباع التجارة العالمية، ويوفر سبل العيش لأكثر من 6 مليارات نسمة، سيتعرض للخطر.
والمعروف علمياً أن المحيطات تمتص أكثر من 90 في المائة من الحرارة الزائدة التي تحتجزها غازات الاحتباس الحراري، وتحمينا من زيادات أكبر حتى مما نشهده الآن في درجات الحرارة نتيجة لتغير المناخ، لكن لهذه العملية كلفة باهظة، لأن احترار المحيطات والتغيرات في كيمياء المحيطات يتسبب بالفعل في اضطراب النظم الإيكولوجية البحرية، ويضر بالناس الذين يعتمدون عليها.
وقال معهد الأرصاد الجوية الفنلندي إن فنلندا سجلت اعلى أحر شهر هو يونيو 2021 ، كما سجل جنوب فنلندا 27 يوماً متتالياً مع درجات حرارة أعلى من 25 درجة مئوية، ووفقاً لدرجات الحرارة المتجمدة عادة في فنلندا فإن هذا يعتبر موجة حارة شديده لم تشهدها فنلندا من قبل . وتعرضت كندا والولايات المتحدة لموجة حر وتحطيم الأرقام القياسية في درجات الحرارة في ولايتي نيفادا ويوتا. والمعروف أن درجة الحرارة وقتها قد بلغت في وادي الموت في كاليفورنيا نحو 54.4 درجة مئوية، وهو أعلى رقم قياسي في درجات الحرارة في العالم.
وعن المستقبل فالارتدادات المتوقعة على البشر وكافة الكائنات الحية وفقاً لحسابات الخبراء، قد يتغير كل شيء، وهناك من بين علماء المناخ من يتحدث عن درجة حرارة تصل إلى سبعين درجة مئوية في بعض مناطق العالم بحلول عام 2050، وبخاصة إذا استمر تدهور الأوضاع المناخية على هذا النحو ومع مثل تلك الدرجات سيعيش نحو 3.5 مليار نسمة في مناطق حرارية جهنمية، ومن الطبيعي أن هؤلاء لن يقدروا على ذلك، ومن هنا ستكون الهجرات غير الشرعية هي الطريق الوحيد أمامهم.
ولعله من النتائج المرعبة للاحترار العالمي، خفض القدرة الجسدية للبشر على العمل، وفقدان مناطق كثيرة في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من أميركا الوسطى والجنوبية ما يصل إلى 250 يوم عمل بحلول عام 2100. وسيتعرض 1.7 مليار شخص إضافي للحرارة الشديدة، كما سيكون 420 مليون شخص إضافي عرضة لموجات حر شديدة، إذا ارتفعت درجة حرارة الكوكب بمقدار درجتين مئويتين مقارنة بـ 1.5 درجة، وهو المنصوص عليه في اتفاق باريس للمناخ.
وفي الخلاصة، فإن الهاوية المناخية باتت قضية البشرية كلها، وعليه فإن الآمال معلقة على قمة المناخ القادمه عسى أن يفكر قادة العالم برؤية إنسانية لا سياسية، من أجل صالح الجنس البشري، وهناك من غير أدنى شك العديد من الطرق لملاقاة الخطر المقبل.



